تحليل سياسي ل محمد لطيف - التغريدة أو ( الفسوة الثالثة ) في التاريخ السياسي !

تحليل سياسي

​في الإنتخابات البرلمانية فاتحة الديمقراطية الثالثة عام 1986 كانت الجبهة الإسلامية القومية تراهن على فوز مرشحها في مواجهة مرشح ( حزب السيد ) وفي منطقة بربر كانت سيدة (ختمية قاطعة ) تراقب بغضب مكتوم ضجيجا هائلا يحدثنه فتيات الجبهة طوال اليوم ..من مسيرة الى ندوة الى جولات على ظهور البكاسي .. ثم ظهرت النتيجة فإذا بالدكتور عبد الملك الجعلي مرشح الحزب الإتحادي الديمقراطي يكتسح الإنتخابات .. وعندها أطلقت السيدة الختمية عبارتها الشهيرة ( يتجارن كل يوم الندوة الندوة أها الندوة بقت لهن فسوة ) .. كان ذلك أول إستخدام للكلمة في الخطاب السياسي السوداني .. ثم إنتظر الناس لقرابة الأربعين عاما لتظهر الكلمة مجددا.. ولكن في منطقة بعيدة وفي جغرافيا مختلفة و بيئة أخرى .. ولكنه في إستخدام ذي صلة ايضا بالإسلاميين .. حين أطلق حميدتى على ما عرفت بمبادرة الطيب الجد..وثيقة الصلة بالحركة الإسلامية..أنها ( فسوة مدنقر في خلا ) .. !! ​منذ أن أطلق البرهان تغريدة قال فيها إنه بعث برسالة لترامب رحب فيها بجهود السلام .. كتبت مرتين مشككا في جدية البرهان وفي جدوى ما قال .. وراهنت أن الزمن لن يطول حتى يدرك الناس أن البرهان يلعب لعبة جديدة .. وأن تغريدة البرهان ستنطبق عليها ما إنطبق على حملة الجبهة الإسلامية تلك ومبادرة الطيب الجد هذه .. ويبدو أننا لم نكن في حاجة للإنتظار طويلا على ضفة النهر حتى يأتينا بجثة مبادرة البرهان الجديدة .. ولئن قال الناس قديما إن الشرح يفسد المعنى فإن الذين تصدوا لشرح مبادرة البرهان من مستشاريه لم يفسدوا المعنى فحسب .. بل فضحوا نواياه وعروه أمام العالم ..! ​ولعل من يُسمى بمستشار البرهان السياسي أمجد فريد كان أول من بدأ حملة الشرح .. حيث قال مبررا لما حملته تغريدة رئيسه ( الرسالة تعبر عن رغبة الدولة في إنهاء الحرب ) ثم أضاف ( لا يمكننا القبول بترك المواطنين رهائن في مناطق سيطرة الدعم السريع ) كان مدهشا أن يقول أمجد هذه العبارة في الوقت الذي تترك فيه حكومته مواطنين سودانيين أيضا .. لا مجرد رهائن بل قتلى نتيجة القصف المصري .. ولكنك قارئي العزيز إنتظر فالمفاجآت كثر والفاجعة اكبر .. ويبدو أن عبارة أمجد فريد قد وصلتنا ناقصة .. فقد كان الصحيح أن يقول (لا يمكننا ترك المواطنين رهائن لدى الدعم السريع بل يجب قتلهم ) .. لماذا نقول ذلك ..؟ لأن ذات اللحظة التى أطلق فيها مستشار البرهان السياسي تصريحه ذاك كانت كتائب الموت البرهانية تنزل حممها على سوق المواشي بنيالا فتغتال ذات المواطنين الذين قال أمجد أنه لن يتركهم رهائن .. ألم يكن من الأفضل أن تتركوهم رهائن بدلا من قتلهم ..؟!! ​إن كان هذا تبريرا لم يصمد بضع دقائق فالقادم أسوأ .. ونبدأه بسفير البرهان في واشنطن الذي قال عن التغريدة وما حوت ( لا نريد القفز على اتفاقات منبر جدة بل نريد التنفيذ ) .. ثم ننقل عن خطاب ممثل البرهان أمام مجلس الأمن الذي تغنى بالسلام كخيار إستراتيجي .. ثم قال فض فوه بـ ( ضرورة أن تستند أي هدنة إنسانية إلى ترتيبات واضحة وملزمة لحماية المدنيين، تشمل انسحاب مليشيا الدعم السريع المتمردة من المرافق المدنية ومساكن المواطنين، وإخراج المرتزقة الأجانب، ووقف تدفقات السلاح والتمويل إليها، بما يمهد لوقف دائم لإطلاق النار وتحقيق سلام شامل يحفظ سيادة البلاد ووحدتها وسلامة أراضيها ) ثم يقول أن الحكومة تستند في كل ذلك على ( إعلان جدة الموقع في مايو 2023 برعاية الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية ) وأخيرا نعود الى مستشار البرهان الذي يقول عن التغريدة وما حوتها إنها تضمنت مقترحا عمليا لمناقشة مسائل تنفيذية مثل الرقابة وحماية المدنيين والإنسحاب من الإعيان المدنية التى وافقت عليه المليشيا في إعلان جدة مسبقا ) .. !! ​حسنا .. إذن بعد كل هذه الضجة .. وكما توقعنا للأسف .. عاد بنا البرهان ومستشاروه الى منبر جدة .. منبر جدة الذى هربوا منه وذهبوا الى المنامة .. منبر جدة الذي قفزوا منه ثم وافقوا على الذهاب الى جنيف ثم رفضوا الذهاب .. وقبل هذا وذاك فإعلان جدة الذي يتحثون عنه ويطالبون بالعودة اليه لم يسمي الدعم السريع بالمليشيا كما قال أمجد فريد بل الجيش نفسه قد وقع ذلك الإعلان كطرف في مقابل طرف أخر إسمه الدعم السريع .. بل إن الجيش وقع على إعلان جدة وديباجة الإعلان تحمل عبارة واضحة نصها( التوقيع على هذا الإعلان لا يؤثر على الوضع السياسي والقانوني والعسكري للطرفين ) والأهم من ذلك أن الإعلان لم يفرض شروطا على الدعم السريع دون الجيش .. بل أنشأ إلتزامات على الطرفين مستصحبا القانون الإنساني الدولى ..أما القراءة الموضوعية فتذكرنا أنه حين تم التوقيع على إعلان جدة كانت الحرب في الخرطوم وحدها ..بل في بعض أنحائها فقط .. وإذا كانت حملة دعاة الحرب قد ذهبت للترويج بأن رفض إنسحاب الدعم السريع من منازل المواطنين هو سبب فشل إعلان جدة .. فهاهم مستشاروه يعودون مرة أخرى بذات الفرية .. ولكن بغباء يحسدون عليه لسببين ..الأول أن اعلان جدة لم يسمى الدعم السريع بالمليشيا ..الثاني أن الشروط التى يطرحونها تصلح أن تكون بنود التفاوض لإنهاء الحرب لا لمجرد هدنة إنسانية تنقذ الأرواح ..!! ​الخلاصة .. وكما توقعنا مسبقا و بدأنا فإن مبادرة البرهان الجديدة لن تعدو أن تكون (الفسوة) الثالثة في وقائع المشهد السياسي السوداني التى تحمل تلك الصفة .. أكرمكم الله ..!

Image