لاعب (الكشتينة) ليته تعلم من قواعدها أصول الحكم - تحليل سياسي ل محمد لطيف

Political Analysis

الخميس /15/اكتوبر بالأمس راج مقطع فيديو متداول عن حشد من الضباط والجنود يتوسطهم البرهان .. و هتافات التكبير والتهليل تشق عنان السماء .. لم يكن البرهان يقلب في أوراق ويتداول مع من حوله في خطة عسكرية سيما وأن بلادنا في حالة حرب .. ثم إن البرهان لم يكن مكبا على خارطة للتأكد ما إذا كانت المنطقة التى تعرضت للقصف مؤخرا من قبل الجيش المصري هي منطقة داخل الحدود السودانية .. كما يروج العملاء والمرجفون وأعداء الله والوطن .. أم هي بقعة طاهرة داخل الحدود المصرية كما ترى نقابة المدافعون عن مصر ومصالحها في السودان .. وعلى رأسهم البرهان ..؟؟!! غير أن الفاجعة عزيزى القارئ ..أن ما كان يشغل البرهان وهو يتوسط ذلك الحشد العسكري ..هو توزيع أوراق ( الكشتينة ) بالعدالة والتساوى على اللاعبين .. سبحان ألله .. حتى الكشتينة تحكمها قواعد صارمة إبتداءا من مرحلة التوزيع حيث يحصل كل لاعب على عدد متساو من أوراق اللعب ثم يخضع الجميع لقواعد صارمة لا تحتمل أي مناورة أو إستثناء .. ثم العدالة المطلقة في تطبيق العقوبات على من يخطئ .. مهما كان وضعه وما يشغله ورتبته .. !! أنا و إن اعتذر عن هذا الإستطراد المطول في شأن (الكشتينة ) فلأقول لكم فقط لو أن قائدنا الهمام قد تمعن قليلا في قواعد لعب (الكشتينة ) لكان قد أدرك كم هي صارمة تلك القواعد وهي تقوم على العدالة و المساواة .. وحظر خرقها .. ومنع السرقة والتحايل فيها .. و أن كل من يضبط مرتكبا واحدة من تلك (الموبقات) فلا سبيل للتستر عليه أو العفو عنه .. إذ سريعا ما تسير سيرته بين ( الترابيز ) وتوقع عليه أشد العقوبات .. فهل فكر البرهان وهو ( يعاقر) الورق أن إدارة الدولة تحكمها ذات القواعد ..؟ وغني عن القول أن أول وأعظم مهام الدولة هي تطبيق العدالة على الجميع بالتساوي .. وحماية حقوق المواطن ..وأن اول حقوق المواطن هو حق الحياة .. ؟؟!! .. ولعلي ولسبب من هذا أرغب الآن مشاركتكم محنتي الخاصة في ذلك المشهد .. فإدراكي القاصر عاجز حتى الآن عن إستيعاب ذلك المشهد .. أو للدقة تصديقه .. وبلغ بي الأمر مرحلة مجادلة البعض أن ما نراه ليس هو الحقيقة .. فكيف لقائد ينتشر جنوده هاربين ولاجئين في كل دول الجوار .. وشعبه مشتت في جل بلدان الدنيا بفعل الحرب .. ثم إن بلاده تؤكل من أطرافها .. ومن بقي من أبناء شعبه داخل وطنه .. ساعيا وراء رزق حلال .. تحصدهم قاذفات قادمة من وراء الحدود .. هل يعقل أن قائد عاقل ينسى كل ذلك وينخرط في لعب الورق ..؟! هذا ما أعجز عن إستيعابه حتى اللحظة .. ويدفعنى الى ترجيح جنوني أو عجز عقلي عن الإستيعاب .. من أن أرى القائم على أمر البلاد والعباد في وطنى .. قد وقع صريع الجنون حتى بات لا يدري ما يفعل .. ولو يدري لكان قد أدرك أن مسرحية سريالية تجري فصولها أمامه .. ومفارقة هائلة تتبدى حوله .. تربط بين لعب الورق والتهليل والتكبير .. ولو أن هذا القائد قد إستصحب شيئا من تعاليم الكشتينة لكان قد كفانا شر الجنون ..! وإن كنا قد بدأنا بما لا يمكن تصديقه .. فالواقع أسوأ من ذلك بكثير .. فحماية المواطنين .. مثلا .. لم تعد هي التي تحدد خيارات السلطة وتحالفاتها .. بل أصبحت المصالح المرتبطة ببقاء القيادة واستمرارها في الحكم .. تتقدم على أرواح السودانيين وحقوقهم .. لتتبدى المفارقة الأكثر فداحة .. سلطة تطالب الشعب بالتضحية بحياته دفاعًا عن السيادة والكرامة الوطنية .. ولكن ذات السلطة تعجز عن إبداء محض إحتجاج على حليف خارجي متهم بقتل مواطنيها .. خشية أن تخسر دعمه السياسي والعسكري .. وبمعنى آخر .. حين تصبح حياة المواطن أرخص من خسارة حليف أجنبي نجد أنفسنا أمام معادلة مقلوبة .. لا تصبح السلطة حامية الشعب باسم السيادة .. بل تدعو الشعب باسم السيادة لحماية السلطة ..! وحتى نكون اكثر دقة ووضوحا .. فإن لاعب البوكر البرهان ..والذي يرفع شعار ..حرب الكرامة.. ويطالب السودانيين بالتضحية بأرواحهم دفاعًا عن السيادة الوطنية .. يهرب من ممارسة مسئولياته حتى بالاحتجاج العلني على حليفه المصري المتورط في قتل مواطنيه .. فهل السيادة عبارة عن مبدأ لا يقبل المساومة ..؟ أم مجرد شعار يُرفع في وجه الخصوم ويُنزل من ساريته أمام الحلفاء .. ؟ وهل الدفاع عن كرامة السودان يستوجب استمرار الحرب والتضحية بأرواح السودانيين .. لكنه لا يوجب حتى احتجاجًا دبلوماسيًا حين يُتهم الحليف بإزهاقها .. ؟ ونختم بالقول مجددا ..إن أخطر ما تكشفه هذه المفارقة هو أنه وبدلًا من أن تكون السلطة مسؤولة عن حماية حياة المواطنين .. يصبح المواطن مطالبًا بالتضحية بحياته لحماية السلطة وتحالفاتها ..!

Image