مستشفى بشاير نموذجا حين تنحط قيمة الإنسان وترتفع قيمة الفواتير
مستشفى بشاير نموذجا
حين تنحط قيمة الإنسان وترتفع قيمة الفواتير
اصوات السودانين
الجمعة/13/مارس
في قلب منطقة مايو جنوبي الخرطوم، يقف مستشفى بشائر التعليمي اليوم في قلب جدل واسع بين المواطنين، بعد أن كان يوماً من أهم المرافق الصحية التي خففت معاناة آلاف الأسر محدودة الدخل. المستشفى الذي أُنشئ في الأصل كمرفق حكومي لخدمة سكان المنطقة، أصبح محل تساؤلات كبيرة حول تبعيته الإدارية وطبيعة الخدمات التي يقدمها حالياً، في ظل ارتفاع ملحوظ في الرسوم العلاجية.
مشروع حكومي لخدمة منطقة مكتظة بالسكان:
تم إنشاء مستشفى بشائر التعليمي على الأرض التي كانت مخصصة لميادين أندية إفريقيا سبورت والرفاق والتقدم، في خطوة قُدمت حينها باعتبارها استجابة لحاجة المنطقة الماسة إلى خدمات صحية متكاملة.
وجاء إنشاء المستشفى بتمويل حكومي ليكون مرفقاً عاماً يخدم سكان مايو والمناطق المجاورة، وهي مناطق تضم كثافة سكانية عالية وغالبية من المواطنين ذوي الدخل المحدود.
وعند افتتاح المستشفى في عام 2023، لعب دوراً مهماً في تخفيف العبء الصحي عن المواطنين، حيث وفر عدداً كبيراً من الخدمات الطبية الأساسية بأسعار رمزية، إلى جانب إدخال خدمات التأمين الصحي. كما قدم خدمات مجانية للأطفال، واحتضن برامج تدريبية وتعليمية بالتعاون مع كلية الخرطوم للعلوم الطبية بقيادة البروفيسور بشارة.
تغيير إداري يثير
التساؤلات:
لكن خلف هذا المشهد الخدمي، بدأت تتكشف قصة أخرى تتعلق بالتبعية الإدارية للمستشفى.
فبحسب معلومات متداولة وسط العاملين والمواطنين، تم في عام 2015 فصل المستشفى من إشراف وزارة الصحة بولاية الخرطوم وإلحاقه بجامعة النيلين، ليصبح تابعاً لوزارة التعليم العالي.
ويقول متابعون إن جامعة النيلين قامت لاحقاً بتحويل شهادة البحث الخاصة بالأرض إلى وزارة التعليم العالي، الأمر الذي جعل المستشفى عملياً خارج إشراف وزارة الصحة، بينما أصبحت الكوادر الطبية والإدارية تتبع للجامعة.
هذا التحول الإداري أثار
تساؤلات عديدة لدى المواطنين حول طبيعة المستشفى.
هل ما يزال مستشفى حكومياً يقدم خدمات عامة، أم أنه تحول فعلياً إلى مؤسسة تعمل بنظام أقرب للقطاع الخاص؟
ارتفاع الرسوم ومعاناة المرضى:
مع مرور الوقت، بدأ المواطنون يلاحظون تغيراً واضحاً في طبيعة الرسوم داخل المستشفى.
فبعد أن كانت الخدمات تقدم بأسعار رمزية، يشير عدد من السكان إلى ارتفاع كبير في التكاليف، حيث تبلغ رسوم الإقامة الطويلة نحو 100 ألف جنيه، بينما تصل تكلفة الولادة القيصرية إلى نحو 400 ألف جنيه، إضافة إلى رسوم الفحوصات والإجراءات الطبية الأخرى.
ويرى سكان المنطقة أن هذه الأرقام تمثل عبئاً ثقيلاً على أسر تعاني أصلاً من أوضاع اقتصادية صعبة.
اتهامات باستغلال الموارد الطبية:
خلال فترة الحرب وما رافقها من تدهور في الخدمات الصحية، دخلت منظمة أطباء بلا حدود لدعم العمل الطبي في المستشفى وتقديم خدمات إنسانية للمواطنين.
غير أن بعض المواطنين يتهمون إدارة المستشفى باستغلال جزء من المعدات الطبية والأدوية والمولدات الكهربائية التي تم توفيرها خلال تلك الفترة لصالح تشغيل المستشفى باعتباره مرفقاً ذا طابع خاص، وهي اتهامات تحتاج – بحسب مراقبين – إلى تحقيق شفاف لتوضيح الحقائق.
حادثة وفاة تثير الغضب:
وزادت حالة الغضب الشعبي بعد تداول قصة وفاة أحد المواطنين، حيث قال شهود إن المريض لم يتم إدخاله إلى العناية المكثفة بسبب عدم قدرة أسرته على دفع الرسوم المطلوبة مسبقاً.
ووفقاً للروايات المتداولة، طلبت إدارة المناوبة سداد تكلفة يومين في العناية المكثفة إضافة إلى مبلغ مالي كبير قبل إدخال المريض، وهو ما لم تتمكن أسرته من توفيره، لينتهي الأمر بوفاته.
هذه الحادثة، إن صحت تفاصيلها، تعكس حجم الأزمة التي قد يواجهها المرضى محدودو الدخل في الحصول على العلاج.
قضية تتجاوز مستشفى واحد:
يرى مواطنون أن ما يحدث في مستشفى بشائر ليس حادثة معزولة، مشيرين إلى تجربة سابقة تمثلت بحسب قولهم في تحويل مركز سلامات الطبي في الأزهري من مرفق حكومي إلى مركز صحي خاص.
ويخشى السكان أن تتكرر هذه التجارب، الأمر الذي قد يؤدي إلى تقليص دور المرافق الصحية الحكومية في خدمة الفئات الأكثر هشاشة.
مطالبات بالتدخل الرسمي:
في ظل هذه التطورات، يطالب مواطنو منطقة مايو الجهات الرسمية بالتدخل العاجل، وعلى رأسها:
والي ولاية الخرطوم
وزارة الصحة بولاية الخرطوم
وزارة التعليم العالي
الجهات الرقابية المختصة
وذلك للنظر في الوضع القانوني والإداري للمستشفى، والتأكد من بقاء المرفق في خدمة المواطنين الذين أُنشئ من أجلهم.
الصحة حق لا رفاهية:
في بلد يواجه تحديات اقتصادية وإنسانية كبيرة، تبقى المرافق الصحية الحكومية شريان حياة للفئات الأكثر ضعفاً.
ولذلك يرى كثير من سكان مايو أن القضية لا تتعلق فقط بمستشفى واحد، بل بمبدأ أساسي: هل ستظل الخدمات الصحية الأساسية متاحة للفقراء، أم ستتحول تدريجياً إلى خدمات لا يستطيع الوصول إليها إلا القادرون؟