تحليل سياسي ل محمد لطيف - أطفال الحرب .. ويلُ لكم منهم

Political Analysis

 


في 26 سبتمبر 2023 .. أي بعد أقل من ستة أشهر من إندلاع حرب 15 ابريل 2023 .. قالت منظمة يونيسيف أن الحرب اوقعت 2500 إنتهاكا ضد الأطفال .. وتسببت في مقتل 435 طفلا وإصابة 2025 طفلا في مختلف مناطق السودان .. وأن 1,9 مليون طفل نازح من أصل 3,8 مليون نازح .. أي نحو نصف النازحين في ذلك الوقت .. وأن 1,7 مليون طفل تعرضوا للتهجير القسري ومعرضون للإنفصال عن أسرهم .. وأن 690 الف طفل يعانون سوء التغذية .. وأن 1,7 مليون طفل أقل من عمر عام فقدوا فرصة التطعيم .. ثم لاحقا أضافت مانديت اوبريان رئيسة يونسيف آنذاك أن 20 مليون طفل أصبحوا خارج الصفوف الدراسية .. ثم تنبأت أوبريان نفسها أنه في العام 2024 سيولد 1,3 مليون طفل سوداني دون أن تتوفر لهم فرص الرعاية الصحية الأولية ..ولقد سارعنا بنشر هذه المعلومات الخطيرة في حينها ظنا منا أن ذلك قد يحرك مشاعر دعاة الحرب وداعميها .. بل وحتى المنخرطين فيها قسرا أو إختيارا .. فحين يتعلق بالأمر بالأطفال تسقط كل الأعذار .. أو هكذا كنا نظن .. وأن تأخذهم شفقة بأطفال السودان .. فيتعاطون مع المشهد بشكل مختلف .. لإنقاذ هؤلاء الأطفال أول ضحايا الحرب .. ويا لغبائنا .. فذلك لم يحدث بل حدث الأسوأ ..!!

فالآن وبعد مرور ثلاث سنوات لا على بداية الحرب .. بل على نشر تلك الأرقام .. و إتساع رقعة الحرب .. لك أن تتصور الثمن الذي دفعه السودانيون ..لا من حاضرهم فحسب .. بل من مستقبلهم ايضا ..؟ فحين نتحدث عن الأطفال .. فإنما نتحدث عن المستقبل .. ولك أن تتصور الأن .. ايضا .. كم خصمت الحرب ومشعلوها من مستقبل السودان .. بعد أن دمروا حاضره ..؟ فأخطر ما تخلّفه الحرب ليس ما تدمّره في حاضر الأطفال (فقدان الوالدين والأسرة  والبيت وما يمثله من أمان والمكان وما يمثله من إلفة والمدرسة وما تمثله من مستقبل وكل ذلك مشمولا في كلمتي الامن والاستقرار.. بل ما قد تزرعه في عقولهم وضمائرهم عن الوطن والآخر والعدالة والإنسان وعن انفسه ..!

فالطفل السوداني الذي ينشأ وسط حرب طويلة لا يتلقى آثارها من الرصاص والنزوح وفقدان الأمان فحسب  .. بل يتشربها أيضاً من أحاديث الأسرة ..  ومواقف حاضنته الاجتماعية وما تحكيها عن الحرب .. والصور المتداولة .. والخطاب الإعلامي وما يروج له اللايفاتية .. ثم طريقة الكبار في وصف القاتل والضحية وتعريف من يوالون ومن يعادون .. فالطفل في لحظات تشكل هويته الشخصية والوطنية ..  قد يجد نفسه أمام روايات متناقضة عن الحرب .. رواية أسرته إن كانت موجودة ..ورواية المدرسة إن وجد إليها سبيلا .. ثم رواية وسائل الإعلام ومن يصيغون تلك الروايات من كل الأطراف .. المحرضون و المبررون و المبشرون وكذلك المحذرون .. وهناك روايات الجماعات التي ينتمي إليها والداه أوأقاربه .. وحيث لا يملك الطفل غربالا يصنف له الصحيح من الخطأ والخبيث من الطيب .. ربما شكلت هذه التقاطعات بدواخله ما يخلف عقدا نفسية  قد تصاحبه مدى الحياة .. ولن نشتط إن قلنا أن هذه الحرب  قد تصبح بالنسبة لجيل كامل .. لا مجرد حدث  يشهده فحسب .. بل منظارا  يتعلم من خلاله فهم العالم والناس والوطن .. وهذه واحدة من اخطر النتائج المترتبة على هذه الحرب التي يرفض البعض ايقافها ..!

Image